أحمد زكي صفوت

478

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

الصلاة والسلام ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج « 1 » حجّته ، وقبضه اللّه إليه صلوات اللّه عليه ، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزّه حقّه « 2 » ، وخالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا واتّسقا ، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ، ثم إنه بايعهما وسلّم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما « 3 » ، ولا يطلعانه على سرهما ، حتى قبضهما اللّه ، وانقضى أمرهما ، ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما ، وسار بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصى ، من أهل المعاصي ، فطلبتما له الغوائل ، حتى بلغتما فيه مناكما . فخذ حذرك يا بن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بفترك تقصر عن أن توازى أو تساوى من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر « 4 » قناته ، ولا يدرك ذو مدى « 5 » أناته ، أبوك مهّد له مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن بك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، وإن يكن جورا فأبوك أسّه « 6 » ، ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا وبفعله اقتدينا ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلّمنا إليه ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فاحتذينا مثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب أباك بما بدا لك أو دع ، والسلام على من أناب ، ورجع من غوايته وتاب » . ( مروج الذهب 2 : 60 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 284 )

--> ( 1 ) أي نصرها . ( 2 ) أي سلبه إياه . ( 3 ) أقول : وكيف يتفق هذا مع ما عرف من أن عمر رضى اللّه عنه كان يستشيره في مهام أموره ، فيشير عليه بالرأي السديد والفكر الناضج ، من ذلك استشارته إياه حين أزمع أن يتوجه لغزو الفرس بنفسه وأشار عليه الإمام برأي حكيم حصيف - انظر نهج البلاغة 1 : 155 - . ( 4 ) القسر : القهر والإكراه . ( 5 ) وفي مروج الذهب « ذو مقال » . ( 6 ) وفيه : « فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك استبد به ونحن شركاؤه » .